الشيخ عبد الغني النابلسي
74
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
عنها ، لأنه الموجود وهي المعدومة وهو العلم وهي المعلومة . فلما رأينا عتب الحق تعالى له أي للعزير عليه السلام في سؤاله في القدر حين : قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها ، أي يوجدها كما كانت ويكشف بوجوده المطلق عن أعيانها الثابتة في عدمها الأصلي وأحوال تلك الأعيان فيظهر مقيدا بها علمنا أنه ، أي العزير عليه السلام طلب من اللّه تعالى هذا الاطلاع بأن يكشف له اللّه تعالى من طريق نبوته ويخبره بالوحي عما طلب مع بقائه قائما بالوجود الحق فطلب أن يكون له قدرة مؤثرة بالحق تعالى تتعلق بالمقدور فتوجده بعد الكشف عن ثبوته عما هو عليه ، وهو أمر ممكن لأن اللّه تعالى على كل شيء قدير ، فإن عيسى عليه السلام كشف عن الطير الذي خلقه من طين في حضرة عينه الثابتة وأمده اللّه تعالى بالقدرة المؤثرة فنفخ فيه روحا أيضا بعد أن سوّى جسده ، وكذلك فعل إبراهيم عليه السلام في الطيور الأربعة . وما يقتضي ذلك ، أي يقدر عليه في كل شيء إلا من له الوجود المطلق ؛ ولهذا قال العزير عليه السلام لما تبين له مقدار ما عرف من كيفية ما طلب أن اللّه على كل شيء قدير ، وحكى الحق سبحانه عن ذلك فقال : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فطلب من الحق تعالى ما لا يمكن وجوده في الخلق ، أي من المخلوق ذوقا إلا مقدار مجرد النسبة في بعض الأمور وحصل له ما يمكن من ذلك في نفسه وفات ما لم يكن فإن الكيفيات لا تدرك إلا بالأذواق وكان جوابه بالفعل ليذوق ما يمكن من ذلك بنفسه . * * * وأمّا ما رويناه ممّا أوحى اللّه به إليه لئن لم تنته لأمحونّ اسمك من ديوان النبوّة ، أي أرفع عنك طريق الخبر وأعطيك الأمور على التّجلّي ، والتّجلّي لا يكون إلّا بما أنت عليه من الاستعداد الّذي به يقع الإدراك الذّوقي ، فتعلم أنّك ما أدركت إلّا بحسب استعدادك فتنظر في هذا الأمر الّذي طلبت ، فلمّا لم تره تعلم أنّه ليس عندك الاستعداد الّذي تطلبه وأنّ ذلك من خصائص الذّات الإلهيّة ، وقد علمت أنّ اللّه أعطى كلّ شيء خلقه فإن لم يعطك هذا الاستعداد الخاصّ ، فما هو خلقك ، ولو كان خلقك لأعطاكه الحقّ الّذي أخبر أنّه أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ [ طه : 50 ] فتكون أنت الّذي تنتهي عن مثل هذا السّؤال من نفسك ، لا تحتاج فيه إلى نهي إلهي وهذه عناية من اللّه بالعزير عليه السّلام علم ذلك من علمه وجهله من جهله .